الإعلانات

محطات في تاريخ شرطة العراق: قراءة في ملف جرائم "أبو طبر" بعد أكثر من ٤٠ عاماً

شكرا لمجلة كاردينيا

من لم يعش حقبة "أبو طبر"، ذلك السفاح القاتل الجزار المخيف الذي ظهر في بداية السبعينات، فانه حتما قد سمع به من ابيه وامه او من

 كبار السن الذين عاصروا تلك المرحلة التي تحول فيها "القاتل" الى بعبع مخيف استنفر الناس من أجله في حراسات ليلية ويقظة مستمرة اذهبت عنهم النوم، خوفاً من القادم المجهول الذي اظهرته الاشاعات كأنه "قدر" لا يمكن تداركه.

لقد تحوّلَ "أبو طبر" بفعل الإشاعة والسلوك الجمعي، إلى "أسطورة" و"بعبع" ولفقت له أو نسبت اليه، افعال وجرائم وتصرفات مبالغ فيها بفعل التهويل الناتج عن حالة الرعب التي سادت البلد في تلك الفترة، حتى تسمية الطبر كانت مخالفة للواقع الذي أثبت أن أبو طبر يستخدم (هيم أو قضيب حديدي) في ارتكاب جرائمه وليس (طبراً)!! لكن تسمية :أبو طبر" أختزنت في الذاكرة الشعبية مقرونة بتأويلات الرعب والخوف، بصفته "قاتلا" جاهزا، يمكن أن يستوعب كل الجرائم التي ترتكب في البلاد.  وقد استغلت قضية "أبو طبر" من أطراف عديدة، لكن القليلين استوعبوا تلك الظاهرة، وفسروا دوافعها وحقيقتها، اذ ان الاغلبية الساحقة من الناس لم تكن تعي مسالك السياسة ودهاليزها المظلمة. وما زالت قصة ابو طبر تثير قريحة مختلف القوى والتيارات السياسية لتأويلها  وتفسيرها حسب الهوى السياسي، لكنني سالجأ للخبرة المهنية والوقائع من خلال ملفات رسمية عايشتها كضابط شرطة له صلة بالادلة الجنائية والتحريات الفنية.


أيام الترويع التي أحدثتها جرائم أبو طبر؟
كثيرة هي الإشاعات والروايات التي نسجها خيال الناس من سكان العاصمة (بغداد)، والعديد من محافظات العراق، أوائل السبعينات وتحديداً عامي 1973 و 1974 عن مجرم سفاح وحش شرس، أطلقوا عليه تسمية (أبو طبر) على أساس أنه يقتل ضحاياه بـآلة (الطبر) الحديدية، ويغتصب النساء بعد قتلهن، ولا يتورع عن ارتكاب جرائمه ليلاً أو نهاراً، وكان ماهرا بحيث لا يترك أثراً في مسارح الجرائم التي أرتكبها،وذهبت القصص والروايات ونسجت الإشاعات إلى أكثر من ذلك بكثير، وبدأ الناس يغادرون دورهم ويتجمعون في دار احد الاقارب، وانخفضت اسعار الدور في الاحياء الراقية وبخاصة مناطق المنصور الى سعر خيالي قياسا الى اسعارها الحقيقية او ما كانت عليه قبل وقوع حوادث أبو طبر، وكانت النفوس الخائفة المرعوبة جاهزة لتقبل كل الاقاويل والاشاعات وتضيف عليها من عندياتها، والذين عاشوا تلك الفترة تختزن ذاكرتهم الكثير من تلك الروايات والإشاعات والتهويلات التي تصاعدت مع كل جريمة تحصل، وكان مجرد صوت تحدثه قطة في حديقة منزل كافيا لأنطلاق عشرات الأطلاقات النارية خشية من وجود (أبو طبر) في حديقة الدار، وحين كان أحد اللصوص يقع في قبضة الناس أو الشرطة، كان يصرخ ( يا إمعوّدين آني حرامي عادي ...والله مو ابو طبر !!) خوفا مما سيناله من ضرب كي يقر بجرائمه لو كان أبو طبر، ولم تنقطع عملية نسج الاشاعات والحكايات إلا حين وقع (أبو طبر) الحقيقي في قبضة رجال الشرطة ويظهر على شاشة التلفزيون يعترف بجرائمه، لكن الوقائع التي سردت من خلال الاعترافات التلفزيونية لم تقنع كثيرين من المثقفين والبسطاء على حد سواء، فهناك ثغرات بقيت مجهولة حول دوافع هذا الشخص وهل كانت هناك جهات معينة تقف وراءه ام انه كان يرتكب جرائمه من منطلقات فردية ذاتية اشباعا لنزوة الجريمة والعنف في دواخله؟ وهل كان مدفوعاً من قبل أجهزة السلطة لتصفية الخصوم والمعارضين؟ وغير ذلك من التأويلات والتفسيرات. وهذا ما سنحاول في هذه المقالة التاريخية أن نوضحه إحتراماً للتاريخ.

الإعلانات

تصفح المزيد!

اغلق
هل هناك حرب بين الحشد واصحاب الرايات البيض هذا اول رد من الحشد الشعبي شاهد